أبي منصور الماتريدي
23
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
ما لا يضرهم لو تركوا عبادته ولا ينفعهم إن عبدوه . والثاني : ما لا يَضُرُّهُمْ أي : ما لا يملكون الضرر بهم ، وَلا يَنْفَعُهُمْ « 1 » أي : ولا يملكون جر النفع إليهم يسفههم في عبادتهم من لا يملك بهم دفع الضرر ، ولا يملك جر النفع ، وتركهم عبادة من به يكون جميع منافعهم وعذابهم ، ومنه يكون كل خوف وضرّ ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ : يحتمل هذا القول منهم تقليدا لآبائهم ؛ كقولهم : وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها [ الأعراف : 28 ] ظنوا أن آباءهم لما تركوا وما هم عليه لم يعذبوا - أنهم على الحق ، وأن الله قد رضي بذلك ، أو قالوا ذلك لما لم يروا أنفسهم أهلا لعبادة الله والقيام بخدمته ، وقد يكون مثل هذا في ملوك الأرض أن كل أحد لا يرى نفسه يصلح لخدمة الملك ، فيخدم من دونه المتصلين به رجاء أن يكون من خدمه شفيعا له عند الملك ؛ فعلى ذلك هؤلاء طمعوا أن عبادتهم هؤلاء تقربهم إلى الله زلفى ، ويكونون لهم شفعاء عند الله ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : قُلْ أَ تُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ يقول : أتنبئون الله [ أي أتخبرون الله ] « 2 » بما لا يعلم ، أي : تعلمون أنه عالم ، أي : أتعلمون من تعلمون « 3 » أنه يعلم ما ذكر وأنتم لا تعلمون ذلك ، وقد تعلمون أنه لو كان كذلك لكان هو أعلم به منكم . والثاني : أن تقولوا ما لا يعلم ، أي : يعلم أنه ليس كما تقولون كقول الناس : ما شاء الله كان وما لم يشأ لا يكون ، أي : ما شاء ألا يكون لا يكون « 4 » . وقوله : سُبْحانَكَ : كلمة جعلت لإجلال الله عما يحتمله غيره من الأشكال والأضداد ، ومن العيوب والآفات ، وهو في هذا الموضع يتوجه إلى وجهين إذ كانوا يعبدون ما ذكر ويقولون : هم شفعاؤنا عند الله ، فيقول : سبحانه أن يجعل لأمثال أولئك
--> ( 1 ) زاد في ب : لو تركوا عبادته . ( 2 ) سقط في أ . ( 3 ) في أ : يعلمون . ( 4 ) والمعنى : أتعلمون الله بالأصنام ، التي لا تعلم شيئا في السماوات ولا في الأرض . وإذا ثبت أنها لا تعلم ، فكيف تشفع ؟ ! والشافع لا بد وأن يعرف المشفوع عنده ، والمشفوع له ؛ هكذا أعربه أبو حيان ، فجعل « ما » عبارة عن الأصنام ، لا عن الشفاعة ، و « ما » في عَمَّا يُشْرِكُونَ يحتمل أن تكون بمعنى : « الذي » أي : عن شركائهم الذين يشركونهم به في العبادة ، أو مصدرية ، أي : عن إشراكهم به غيرهم . وقرأ الأخوان - حمزة والكسائي - هنا : عَمَّا يُشْرِكُونَ ، وفي النحل موضعان . ينظر اللباب ( 10 / 286 ) .